ابن سبعين

180

أنوار النبي ( ص ) أسرارها وأنواعها

الهادي الذي أوصلها ، فهو نور الأمم بما هو هاديها ، ونور اللّه بما هو باديه ، الذي لا خفاء له ، ولما كان الأول الآخر فكان الخاتم ليس وراء مكانته مكانة ولا وراء إنارة نوره إنارة ، لم يكن وراءه ما هو أكمل نوريّة منه فيطفئ نوريّته ، كما شأن الأنوار المترتبة في حكمة اللّه أن تطفئ أشدها أضعفها ، كما يطفئ نور الكواكب ويطفئ ضوء الشمس بعد القمر ، والإطفاء إذهاب الإنارة ، والإنارة الإراءة للأشياء بما شأنه أن يبدو ويبدي ، فالإطفاء ذهاب له أو ذهاب لأثره ، كما يذهب السراج وتذهب إثارة القمر بضوء الشمس ، فكل نور يطفئه فهو أكمل منه ، ونور اللّه الذي هو نور السماوات والأرض نور لا يطفأ ، فلما كان صلّى اللّه عليه وسلّم نور البادي كله خلقا وأمرا لم يكن وراءه نور بما هو نور الإحاطة إلى ما ورائها من إطلاق الحدّ ؛ فهو لذلك نور اللّه الذي لا يطفأ ، بما ليس وراء نوره مرمى . والكلام على الآية التي استدل بها الشيخ ابن سبعين ، قلت : قال الرصاع : نقلا عن بعض أهل التحقيق في قوله : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] ، إن اللّه تعالى أيد موسى باسمه الرب فقال : فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [ الأعراف : 143 ] . وأيّد عيسى باسمه المحيى وإبراهيم باسمه الباطن فأراه ملكوت السماوات والأرض . وأيّد سيد أهل الأكوان الجامع لخصال أهل العرفان بقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ [ الأنفال : 64 ] ، فذكر له اسمه الجامع لذاته وصفاته ، فقرنه باسم نبوته ، فليس ذلك لغيره . ثم نقل عن بعضهم أن ذاته الكريمة صلّى اللّه عليه وسلّم جمعت حقائق الموجودات ، ونبوته جامعة لسائر النبوات ، ونوره جامع لسائر الأنوار ، وسره منه تفرّعت الأسرار ، ويومه جامع لسائر الأيام ، وكتابه جامع للكتب المنزلة على أنبياء اللّه الكرام عليهم الصلاة والسلام ، انتهى . وقال الحرالي : لما كان صلّى اللّه عليه وسلّم شاهدا من ربّه في خلقه فكان شاهدهم بما أشهده اللّه منهم ، حتى عرفهم حال كونهم وقبل كونهم ، وعرض عليه الكون كله ملكه وملكوته ظاهره وباطنه ، وأشهد اللّه بإشهاده من شاء ممن اصطفاه من أئمة أمته ، والبراء من الانتهاء في الافتراق إلى اللعن والمنابذة ، وكان صلّى اللّه عليه وسلّم شهيدا على شهداء أمته الذين هم الشهداء على الناس ، كما قال تعالى : وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً [ البقرة : 143 ] .